مالجمود المؤسسي Structural Inertia
وتأثيرها على الشركات: الأسباب والحلول

بقلم / د. رجب عبده
مستشار تطوير الشركات و ريادة الأعمال
و خبير دراسات بحوث التسويق وتحليل البيانات
مقدمة
في عالم الأعمال المتغير بسرعة، تواجه الشركات تحديات كبيرة للحفاظ على تنافسيتها. أحد أكبر العوائق التي تمنع المؤسسات من التكيف مع التغيرات هو الجمود الهيكلي (Structural Inertia) وهو المقاومة الداخلية للتغيير بسبب الأنظمة الراسخة، والهياكل التنظيمية، والعلاقات الطويلة الأمد مع العملاء والموردين. في هذا المقال، سنناقش مفهوم الجمود الهيكلية، أسبابها، تأثيرها على الشركات، وكيفية التغلب عليها، مع أمثلة من شركات عالمية وعربية.
ما هي الجمود الهيكلية؟
الجمود الهيكلي في هذا السياق يشير إلى الصعوبة التي تواجه المؤسسات في تبني تغييرات جذرية بسبب ارتباط عملياتها الحالية بنجاحها. عندما تعتمد الشركات على إجراءات داخلية معقدة وهياكل تنظيمية صلبة، تصبح أقل مرونة في الاستجابة للابتكارات الجديدة أو التغيرات السوقية المفاجئة.
العوامل الرئيسية للجمود الهيكلي:
-
الإجراءات والأنظمة الراسخة:
كلما كانت الشركة تعتمد على عمليات ثابتة، زادت صعوبة تغييرها.
-
التركيز على العملاء الحاليين:
قد تتجنب الشركات التغييرات التي قد تؤثر على العملاء المخلصين.
-
المقاومة الثقافية:
فبناءً على ذلك غالبا ما يفضل الموظفون والمديرون الاستقرار بدلاً من المخاطرة.
-
الاعتماد على نموذج عمل ناجح:
تحقيق النجاح في نموذج معين يجعل الشركات تتردد في تغييره.
-
البيروقراطية التنظيمية :
الهياكل الإدارية المعقدة تؤدي إلى بطء في اتخاذ القرارات.
أمثلة من شركات اصابها الجمود الهيكلي
-
كوداك (Kodak) – السقوط بسبب التمسك بالفيلم التقليدي
كانت كوداك رائدة في صناعة التصوير الفوتوغرافي لعقود. ومع ذلك، عندما ظهرت الكاميرات الرقمية، تجاهلت الشركة هذا التحول خوفًا من التأثير على مبيعات أفلام التصوير التقليدية. رغم أن كوداك هي التي اخترعت أول كاميرا رقمية في السبعينيات، إلا أن الجمود الهيكليمنعتها من الاستثمار الجدي في التكنولوجيا الجديدة، مما أدى في النهاية إلى إفلاسها في عام 2012.
-
نوكيا (Nokia) – رفض الابتكار في سوق الهواتف الذكية
في أوائل الألفية الجديدة، كانت نوكيا الشركة الرائدة في سوق الهواتف المحمولة. لكن مع ظهور الهواتف الذكية، لم تستطع الشركة التكيف بسرعة بسبب اعتمادها على نظام تشغيل قديم وعدم استجابتها لاتجاهات السوق الجديدة في النهاية، خسرت حصتها السوقية لصالح آبل وسامسونج، وتم بيع قطاع الهواتف إلى مايكروسوفت.
-
بلاك بيري (BlackBerry) – الاعتماد على لوحة المفاتيح التقليدية
كانت بلاك بيري رائدة في الهواتف الذكية لرجال الأعمال، لكنها فشلت في إدراك أهمية شاشات اللمس التي قدمها آيفون. تمسكت بلاك بيري بلوحة المفاتيح المادية الخاصة بها، مما أدى إلى فقدانها حصتها السوقية بسرعة، حتى أصبحت مجرد علامة تجارية هامشية.
أمثلة على الجمود الهيكلي في الشركات العربية
-
شركات الاتصالات في السعودية – مقاومة التغيير التنظيمي
واجهت بعض شركات الاتصالات العربية مشكلة في التحول الرقمي، حيث تأخرت في تقديم خدمات الإنترنت السريعة بسبب التعقيدات البيروقراطية الداخلية، مما أتاح لمنافسيها فرصة الاستحواذ على العملاء.
-
مؤسسات إعلامية عربية – رفض الانتقال إلى المنصات الرقمية
العديد من الصحف العربية الكبرى قاومت التغيير نحو الإعلام الرقمي، مما أدى إلى تراجع كبير في مبيعات الصحف الورقية وتقلص عائداتها الإعلانية.
تأثير الجمود الهيكلي على الشركات
عندما تعاني شركة من الجمود الهيكلي ، تكون أقل قدرة على التكيف مع التغيرات في السوق، مما يؤدي إلى:
-
فقدان الحصة السوقية:
مثلما حدث مع كوداك ونوكيا.
-
انخفاض الإيرادات:
بسبب عدم التكيف مع الطلبات الجديدة.
-
صعوبة الابتكار:
مما يجعل الشركة غير قادرة على مواكبة التطورات.
-
ضعف القدرة التنافسية:
حيث تصبح الشركات الناشئة أكثر جاذبية للمستهلكين.
كيف تتغلب الشركات على الجمود الهيكلي ؟
- تعزيز ثقافة الابتكار
تشجيع الموظفين على التفكير الإبداعي وتقديم الأفكار الجديدة بالاضافة الي إنشاء بيئة مرنة تساعد على التجريب والتطوير المستمر.
-
إعادة هيكلة العمليات التنظيمية
حيث يت تقليل التعقيدات البيروقراطية التي تعيق سرعة اتخاذ القرار، مع دمج فرق العمل المختلفة لتعزيز التعاون والتكيف السريع مع التغيرات بالاضافة الي مواكبة تطورات السوق باستمرار
-
مراقبة المنافسين واستكشاف الاتجاهات الجديدة في التكنولوجيا والصناعة.
-
الاستثمار في التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين.
-
التكيف مع احتياجات العملاء
يتم استخدام التحليلات البيانية لفهم سلوك المستهلكين بشكل أعمق وتقديم منتجات وخدمات تتماشى مع التطورات الحديثة.
-
التعاون مع الشركات الناشئة

حيث يتم الدخول في شراكات مع الشركات الناشئة للاستفادة من التقنيات الحديثة بالاضافة الي الاستثمار في الابتكارات الخارجية التي يمكن دمجها مع العمليات القائمة.
لذا يمكن القول ان الجمود الهيكلي هو أحد أكبر التحديات التي تواجه الشركات في العصر الحديث، لكنها ليست عقبة لا يمكن تجاوزها فبتعزيز ثقافة الابتكار، وتبني التغيير، والتكيف مع احتياجات العملاء، يمكن للشركات التغلب على هذا التحدي وضمان استدامتها في بيئة أعمال تنافسية،ولا ننسي أن التردد في التغيير يمكن أن يؤدي إلى تراجع الشركات، في حين ان الشركات التي تواجه الجمود الهيكلي بجرأة تتمكن من تحقيق النجاح.
و يبقى السؤال الاهم : هل ستتمكن شركتك من مواجهة التغيير، أم ستظل عالقة في فخ الجمود الهيكلي ؟