الرشاقة الاستراتيجية – أسباب ظهور وانتشار مفهوم الرشاقة – وتطورها من التصنيع إلى الاستراتيجية

أسباب ظهور وانتشار مفهوم الرشاقة

وتطورها من الرشاقة فى مجال التصنيع إلى الرشاقة الاستراتيجية

From Agility to STRATEGIC AGILITY

بقلم:

د. حسين الغراب

رئيس مجلس إدارة مركز كيم للتدريب والاستشارات

مستشار التطوير المؤسسي والإدارة الاستراتيجية والرشاقة الاستراتيجية والتحوّل الرقمي للشركات

مقدمة

يُبيّن هذا المقال أسباب نشأة وانتشار مفهوم الرشاقة في مختلف المجالات وتطوره إلى مفهوم الرشاقة الاستراتيجية Strategic agility فمع التحوّلات المتسارعة والعميقة التي شهدها العالم منذ أواخر القرن العشرين في التكنولوجيا والاقتصاد والمجتمع، انعكست تلك المتغيّرات على طبيعة المنافسة وتوقّعات العملاء واحتياجات الأسواق. وفي مواجهة هذه الاضطرابات المستمرة، برز مفهوم الرشاقة (Agility) كاستجابة إدارية جديدة تمكّن المنظمات من استباق الأحداث بسرعة ومرونة.

بدأت جذور الرشاقة في مجال التصنيع تحديدًا، حيث فرض التطوّر التكنولوجي وتقلبات الأسواق على الشركات الصناعية الكبرى إعادة النظر في أنظمتها الإنتاجية والتنظيمية. وسرعان ما امتدَّت هذه الفلسفة لتشمل مختلف الجوانب الإدارية، بدءًا من تصميم الهياكل التنظيمية وفرق العمل، مرورًا بإدارة سلاسل التوريد، ووصولًا إلى تطوير البرمجيات والموارد البشرية.

ومع مرور الوقت، وجد المديرون والقادة في شتى القطاعات أنّ الرشاقة، بمفهومها القائم على السرعة والمرونة، لم تعد كافية لمواكبة التنافسية العالمية وتعقّد بيئات العمل؛ فبرز مصطلح الرشاقة الاستراتيجية (Strategic Agility) بوصفه تطوّرًا جوهريًا في مسار الرشاقة. إذ يركّز هذا المفهوم على قدرة المؤسسة ليس فقط على التحرك السريع في التعامل مع الطوارئ، بل أيضًا على إعادة تشكيل استراتيجياتها وأهدافها وتوجهاتها الكلية في أي وقت، بما يضمن مواءمة الأنشطة الداخلية مع المتغيّرات الخارجية.

وانطلاقًا من هذه الرؤية الأوسع، غدت الرشاقة الاستراتيجية أحد أهم المداخل الحديثة التي تمكّن المؤسسات من ابتكار طرق عمل جديدة، وإعادة صياغة خططها بعيدة وقصيرة المدى على السواء، لتأمين بقائها ونموّها في عالم يتّسم بالتقلّبات وعدم اليقين. يتناول هذا المقال العوامل التي قادت إلى ظهور الرشاقة، والمراحل التي مرّ بها المفهوم حتى تبلوَر في صورته الراهنة، بالإضافة إلى استعراض كيفية انتشار الرشاقة الاستراتيجية في مختلف المجالات، لتصبح اليوم إحدى الركائز الأساسية لأي منظمة تطمح إلى تحقيق التنافسية والاستدامة.

حاجة الشركات إلى إعادة النظر في المداخل الإدارية المطبّقة حاليًا

يواجه العالم منذ أواخر القرن العشرين وحتى وقتنا الحالي تغيّرات ضخمة وعميقة ومستمرة في المنافسة السوقية والابتكارات التكنولوجية واحتياجات العملاء. وقد أدّى النمو العالمي في التعليم والتكنولوجيا إلى زيادة حدّة المنافسة العالمية وتسارع وتيرة ظهور الابتكارات في السوق، فضلًا عن تجزئة الأسواق الضخمة إلى أسواق متخصصة (Niche Markets)، وارتفاع توقّعات العملاء وتنامي متطلباتهم. وقد تطلّب هذا الواقع الحرج إجراء تعديلات جوهرية على كلٍّ من أولويات العمل والرؤية الاستراتيجية، وإعادة النظر في مدى جدوى النماذج والأساليب الإدارية التقليدية والمعاصرة.

وانعكاسًا لهذه التغيرات السريعة والمتلاحقة في العوامل الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية والاجتماعية حول العالم، وظهور الابتكارات غير المسبوقة وزيادة حدّة التنافسية وتبدّل تفضيلات المستهلك وتوقّعاته، أضحت سمات بيئة الأعمال تتلخّص في اضطراب (Turbulence) دائم وعدم القدرة على التنبؤ (Unpredictability). ومن ثمّ أصبحت من أهم التحديات التي تواجه المديرين اليوم هي كيفية التعامل مع التغيرات غير المتوقعة واتخاذ القرارات في ظلّ حالات عدم اليقين (Uncertainty) على المستويات الاستراتيجية والوظيفية والتشغيلية.

يشير بعض الباحثين إلى أن العالم قد دخل منذ مطلع القرن الحادي والعشرين مرحلة اقتصادية جديدة أطلق عليها “مرحلة الاضطراب المستمر” (Continuous Turbulence Stage) وفقًا للبروفيسور فيليب كوتلر (Philip Kotler)، حيث باتت التغيّرات والاضطرابات في بيئة الأعمال تحدث بوتيرة سريعة ومتواصلة ودون انقطاع، وأصبح حدوث الاضطرابات والمتغيرات السريعة وغير المتوقعة هو الوضع الاعتيادي الجديد.

Philip Kotler and John A. Caslione. Chaotics: The Business of Managing and Marketing in the Age of Turbulence. AMACOM Div American Mgmt Assn, 2009.

فضلًا عن ذلك، أصبحنا نعيش فيما يُعرف بـ عالم “VUCA”، أي عالم يتسم بالتقلّب (Volatility)، وعدم اليقين (Uncertainty)، والتعقيد (Complexity)، والغموض (Ambiguity). ويُقصد بالاضطرابات (Turbulences) التغيرات السريعة وغير المتوقعة التي تحدث في البيئة الخارجية أو الداخلية للشركة وتؤثر على أدائها. ومن أهم الخصائص التي تميز الاضطراب عن الأزمات والحالات الحرجة الأخرى هي:

  1. حدوث تغيّرات على نطاق واسع وعدم القدرة على السيطرة عليها.
  2. السرعة العالية للتقلّبات.
  3. ظهور أنماط غير واضحة لتطور الأحداث مما يخلق وضعًا فوضويًا وغير متوقع.

تؤثر الاضطرابات المستمرة سلبيًا على أداء معظم الشركات والمنظمات وعلى أداء المديرين في مختلف المستويات الإدارية؛ فكلّما زاد عدم اليقين، زادت العوائق أمام الأنشطة الاستراتيجية والتشغيلية، مما يهدّد بقاء الشركات ونموّها المستقبلي. وهذا ما أثبتته عدة دراسات أكّدت أن معظم الشركات حول العالم تواجه تهديدات عدّة نتيجة تصاعد حدة الاضطرابات وسرعتها في بيئة الأعمال.

دفعت هذه التحديات المديرين إلى إعادة التفكير في كل شيء: ابتداءً من المداخل الإدارية والاستراتيجيات والهياكل التنظيمية ونماذج الأعمال، وصولًا إلى العمليات والنظم الإدارية والقدرات الجوهرية، والبحث عن مداخل إدارية جديدة تمنح المنظمة القدرة على إجراء التغيير المستمر والسريع لمواردها وعناصرها كافة، بحيث تتمكّن من مواكبة التغيرات غير المتوقعة في بيئة الأعمال. ومع تزايد سرعة التغيّرات وضعف استجابة العديد من المنظمات، برزت الحاجة إلى مفهوم حديث في استراتيجيات الأعمال، هو الرشاقة الاستراتيجية (Strategic Agility).

اكتسب موضوع الرشاقة الاستراتيجية أهمية متزايدة في السنوات الأخيرة، لكونه نهجًا إداريًا يقدّم حلولًا عملية تساعد الشركات على البقاء والنمو والازدهار في ظل البيئة المضطربة وغياب اليقين. وأضحت الرشاقة الوسيلة الأساسية للحفاظ على القدرة التنافسية في خضم الاضطرابات المستمرة التي تشهدها بيئات الأعمال اليوم. وفي ظل سرعة التغيّر ومفاجآت الأحداث في البيئة المضطربة (Chaos Environment) التي تشهد ظهورًا مفاجئًا للأسواق وتصادمًا مستمرًا بينها وتطورًا وانقسامًا وانهيارًا سريعًا، لا سبيل للبقاء والازدهار إلا عبر الرشاقة الاستراتيجية القادرة على تزويد المنظمة بالمرونة وسرعة الاستجابة وإعادة ضبط التوجّه الاستراتيجي باستمرار، بالإضافة إلى ابتكار طرق جديدة لخلق القيمة.

Article cover image

نشأة وانتشار مصطلح الرشاقة

(Agility)

ومقارنته بالمصطلحات الأخرى

1. ظهور مفهوم الرشاقة

استخدم مصطلح الرشاقة (Agility) لأول مرة عام 1991م على يد أربعة باحثين من معهد “Iacocca” التابع لجامعة “Lehigh” في الولايات المتحدة، ضمن تقرير بعنوان:

“استراتيجية القرن الحادي والعشرين للشركات الصناعية” (21st Century Manufacturing Enterprise Strategy: An Industry-Led View)

ويُعرف هذا التقرير باسم “تقرير لهاي” (Lehigh Report)، وقد أُعد بناءً على تكليف من الكونغرس الأمريكي عام 1990 للبحث عن حلول عاجلة لمواجهة الضغوط التنافسية الكبيرة والمنافسة الحادة في الأسواق العالمية، التي واجهت الشركات الصناعية الأمريكية الكبرى آنذاك بسبب القدرات التنافسية العالية للشركات الآسيوية، ولا سيما اليابانية، مما هدد مكانة الولايات المتحدة في الأسواق العالمية.

اتخذ الكونغرس الأمريكي عام 1990 قرارات عاجلة وأصدر أوامره لوزارة الدفاع (DOD) بتشكيل فريق عمل مشترك بين وكالات البنتاغون لدراسة هذه المشكلة نظرًا لخطرها على مستقبل الشركات الصناعية الأمريكية، وضرورة ابتكار استراتيجية جديدة للتصنيع تعينها على استعادة تنافسيتها. وكان من بين الجهات المشاركة في الدراسة معهد “Iacocca”، الذي كُلّف بإعداد تقرير عن الرؤية والاستراتيجية الصناعية المقترحة للقرن الحادي والعشرين، والمتطلبات اللازمة لتطبيق هذه الممارسات في البيئة الأمريكية.

وقد طرح التقرير عام 1991 ولأول مرة مصطلحات مثل الرشاقة (Agility) والتصنيع الرشيق (Agile Manufacturing) والرشاقة التنظيمية (Organizational Agility) بوصفها مداخل إدارية جديدة ينبغي للشركات الصناعية الأمريكية تبنّيها للبقاء والتنافس في القرن الحادي والعشرين. وأوضح التقرير أن نموذج “التصنيع الضخم” (Mass Production) لم يعد مناسبًا للتطوّرات السريعة والتغيّرات الكبيرة في بيئة الأعمال، وأن على الشركات تطبيق منهج “التصنيع الرشيق” (Agile Manufacturing) لاكتساب المرونة والسرعة والاستجابة للتغيّرات، بالتوازي مع تهيئة بيئة تنظيمية رشيقة (Organizational Agility) على المستويين الاستراتيجي والتشغيلي.

2. انتشار تبنّي وتطبيق مدخل الرشاقة في كبرى الشركات الأمريكية والعالمية

أسس معهد “Iacocca” عام 1991 “منتدى مؤسسة التصنيع الرشيق” (The AMEF – Agile Manufacturing Enterprise Forum) لدعم نشر وتطبيق ممارسات الرشاقة في كبرى الشركات الأمريكية، وذلك من خلال تشكيل فرق عمل من الباحثين بالتعاون مع أصحاب الشركات والخبراء لدراسة أفضل ممارسات الرشاقة (Agility Best Practices) وابتكار أدوات جديدة لتسهيل عملية تبنّيها في مختلف القطاعات (مثل السيارات والإلكترونيات والاتصالات والإعلام والكمبيوتر والتأمين والأدوية والرعاية الصحية).

وقد صدرت عن المنتدى تقارير دورية رصدت نتائج أبحاث ودراسات تطبيق ممارسات الرشاقة الإستراتيجية في كبرى الشركات الأمريكية، ما أسهم في الترويج لهذا المدخل على نطاق واسع. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، تبنّي شركة مايكروسوفت عام 2000 نموذج الرشاقة داخل هيكلها التنظيمي، وإطلاق شعار “عمل رشيق (Agile Business)”، إلى جانب شركات كبرى مثل: Motorola وDell وLexmark وGoogle وIBM، التي اعتمدت الرشاقة لتعزيز قدراتها التنافسية في بيئة مضطربة سريعة التغير. وهكذا أصبحت ممارسات الرشاقة جزءًا أصيلًا من الممارسات الإدارية اليومية في كبرى المؤسسات الأمريكية.

وفي الوقت الحالي، تشهد الرشاقة الاستراتيجية انتشارًا سريعًا في عدد كبير من الشركات الكبرى حول العالم. وقد أشارت دراسة استطلاعية عالمية (Global Survey) أجرتها مؤسسة ماكينزي (McKinsey) عام 2017 على 2546 مديرًا من 2500 شركة عالمية كبرى في صناعات مختلفة (منها 207 جهات حكومية وغير هادفة للربح) إلى أن أكثر من ثلث تلك الشركات (37%) كانت بصدد تنفيذ تحوّل شامل نحو الرشاقة (Company-wide Agile Transformations) أثناء إجراء الدراسة، في حين أن 4% منها أتمّت التحوّل بالكامل وأصبحت شركات رشيقة كليًا. كما كشفت نتائج الدراسة أن 75% من عينة البحث يرون أن الرشاقة الاستراتيجية، المتمثلة في القدرة على إعادة تشكيل الاستراتيجية والهيكل التنظيمي والإجراءات والأفراد والتكنولوجيا بسرعة، باتت من أهم الأولويات المستقبلية لجميع المديرين في مختلف القطاعات حول العالم، مؤكدين أهمية التحوّل إلى الرشاقة في كافة المجالات الإدارية.

3. انتشار مفهوم الرشاقة في مجالات إدارة الأعمال

أصبح مفهوم الرشاقة خلال السنوات الأخيرة أحد أهم الموضوعات البحثية في إدارة الأعمال؛ نظرًا لقدرته على مجابهة الاضطرابات والتغيّرات غير المتوقعة في بيئة الأعمال. وقد تجلّى هذا الاهتمام في العديد من الأبحاث والمراجعات (Meta-Review) للأدبيات العلمية التي تناولت انتشار مفهوم الرشاقة في مختلف المجالات، وذلك بهدف التعرف على المصطلحات والمفاهيم المرتبطة به. ويوضح الجدول التالي المجالات الرئيسة لتطبيق مفهوم الرشاقة والمصطلحات المستخدمة في كل مجال:

انتشار مفهوم الرشاقة فى المجالات المختلفة

ثالثًا: التفرقة بين مفهوم الرشاقة والمفاهيم الأخرى

1. ما هي الرشاقة (Agility)؟

تشير الرشاقة إلى مجموعة من القدرات التي تمكّن الشركة من البقاء والازدهار وتعزيز أدائها في بيئة أعمال مضطربة، عبر امتلاك القدرة على استشعار التغيرات والاستجابة لها، وإجراء التعديلات المستمرة في عناصرها ومواردها بسرعة، بهدف استغلال الفرص المتاحة ومواجهة التحديات المتوقعة وغير المتوقعة. وفقًا لهذا التعريف، يُعدّ مفهوم الرشاقة مفهومًا شاملًا ينطوي على مجموعة من القدرات (Capabilities) التي تحقق الاستجابة السريعة والمرونة في إعادة تشكيل النظم والموارد والاستراتيجيات والعمليات، بما يتلاءم مع الفرص أو التهديدات التي تطرأ في بيئة الأعمال.

2. المقارنة بين مصطلحي الرشاقة والمرونة (Agility & Flexibility)

في بعض الأحيان، يحدث خلط بين مصطلحي الرشاقة والمرونة، إذ تُستخدم الكلمتان في بعض الأدبيات للإشارة إلى الشيء نفسه، باعتبارهما خصيصة تمكّن الشركات من اكتساب ميزة تنافسية عبر سرعة الاستجابة للتغيرات في الطلب ومواجهة تقلبات السوق.

ويرجع هذا الالتباس إلى عدم وجود حدود واضحة بين الرشاقة والمرونة؛ فحتى أوائل التسعينيات، كان مصطلح “المرونة” يشير في كثير من الأحيان إلى ما نعنيه اليوم بالرشاقة. ولكن مع ازدياد حدة التنافسية وسرعة الاضطرابات المفاجئة وغير المتوقعة في بيئة الأعمال، برزت الحاجة إلى مفهوم أشمل وأكثر تكاملًا. وهكذا ظهرت مصطلحات التصنيع الرشيق (Agile Manufacturing) والرشاقة التنظيمية (Organizational Agility) كمفاهيم شاملة وفقًا لتقرير لهاي (Lehigh Report) عام 1991، موضحةً الفارق الكبير بين الرشاقة كـ”قدرة استراتيجية” تشمل المنظمة بأكملها، وبين المرونة كقدرة تشغيلية تركز بشكل رئيس على مستوى الأنظمة والعمليات.

تُعرِّف بعض الأدبيات المرونة (Flexibility) بأنها “القدرة على الحركة والاستجابة للتغيرات المتوقعة في الطلب، وهي بالتالي قدرة تشغيلية” (Abdelilah, et al., 2018). أمّا الرشاقة (Agility)، فهي “قدرة الشركة على إعادة التشكيل بسرعة (Rapidly Reconfigure) للموارد والنظم والعمليات والاستراتيجيات استجابةً لمتغيرات عديدة غير متوقعة، وهي قدرة استراتيجية”. ومن ثمّ، تُعد المرونة عنصرًا تشغيليًا أساسيًا داخل الإطار الأشمل للرشاقة التي تجمع بين المرونة والسرعة والاستباقية والابتكار.

ويُمكن توضيح الفروق الجوهرية بين هذين المصطلحين في الجدول التالي:

يتفق العديد من الباحثين على أنه يمكن النظر إلى الرشاقة على أنها مزيج من المرونة والسرعة، إذ تشتمل الرشاقة على القدرة على التكيّف السريع (المرونة) والقدرة على الاستجابة الفائقة (السرعة). غير أنّ الاستباقية والابتكار يضيفان إلى الرشاقة بُعدًا إضافيًا يُميزها عن أي مفاهيم قريبة، حيث تستطيع المؤسسة أن تتوقّع وتتنبّأ بالاضطرابات المحتملة وتستعدّ لها مسبقًا..

الرشاقة تتكون من

3. الفرق بين مفهوم الرشاقة (Agility) ومفهوم النحافة (Lean)

قد يبدو للوهلة الأولى أن مفهوم التصنيع الرشيق (Agile Manufacturing) يتوافق مع مفهوم الإنتاج النحيف (Lean Manufacturing) الذي طبقته شركة تويوتا اليابانية منذ ثمانينيات القرن الماضي، إلا أن هناك اختلافات جوهرية بين المفهومين، كما يلي:

التصنيع النحيف (Lean Manufacturing)

هو منهجية للإنتاج (Production Methodology) يُشار إليه أحيانًا باسم “الإنتاج المرن”، يركّز على تحقيق الجودة من أول مرة، ويهدف إلى ترشيد استهلاك الموارد داخل العملية الإنتاجية من خلال التخلص من الهدر (Waste) وإزالة كل الأنشطة التي لا تضيف قيمة، فضلًا عن تحسين تدفق مراحل العملية الإنتاجية عبر برامج التحسين المستمر وعلاقات الشراكة طويلة الأجل مع المورّدين.

التصنيع الرشيق (Agile Manufacturing)

هو فلسفة إدارية شاملة لإدارة الشركة ككل، تمنحها القدرة على البقاء والازدهار في بيئة تنافسية مضطربة تواجه تغيرات سريعة وغير متوقعة، من خلال تفاعل فعّال وسريع مع الأسواق المتغيرة وتقديم منتجات وخدمات “يحددها العميل”. ويعني هذا أن التصنيع الرشيق لا يقتصر على إدارة العمليات الإنتاجية فحسب، بل يمتدّ إلى جميع عناصر الشركة (نظم وموارد واستراتيجيات وعمليات)، بما يمكّنها من إعادة تشكيل هذه العناصر لمواجهة التهديدات واستغلال الفرص الطارئة. وبذلك يُعد التصنيع الرشيق مفهومًا أوسع وأشمل من التصنيع النحيف؛ إذ يتضمن في داخله مكوّنات المرونة والاستجابة السريعة والقدرة على الابتكار.

4 – الرشاقة: ما هي وما ليس منها

يوضح الجدول التالي بعض النقاط التي تحدّد ماهية الرشاقة وما لا يمكن اعتباره منها:

… Agility is… الرشاقة هي…

Agility is not… الرشاقة ليست

ما هى الرشاقة وما ليس منها

ملخص المقال :

إن الرشاقة بمنظورها الشامل (Organizational Agility) والممتدة إلى الرشاقة الاستراتيجية (Strategic Agility) قد نشأت استجابةً لاحتياجات ملحّة في عالم الأعمال المتقلّب، وتطوّرت عبر عدة مراحل بدءًا من التركيز على النظم الإنتاجية (مثل التصنيع الرشيق) وصولًا إلى كونها مدخلًا إداريًا متكاملًا للمنظمة ككل. وبينما تُعَدّ المرونة (Flexibility) عنصرًا مهمًا في الرشاقة، فإنّ الرشاقة أشمل وأعمّ، إذ تشمل الاستباقية والسرعة والابتكار وإعادة التشكيل المستمر للموارد والنظم والعمليات.

وقد لاقى مفهوم الرشاقة رواجًا واسعًا في كبرى الشركات العالمية التي تبنّت ممارساته استجابةً لضغوط التنافسية في الأسواق العالمية، فضلًا عن التطورات التكنولوجية والاضطرابات السريعة والمتلاحقة. ومع اتساع نطاق التطبيقات، أصبح الحديث اليوم يدور حول الرشاقة الاستراتيجية التي تضمن للمنظمات القدرة على المحافظة على تنافسيتها، والازدهار والنمو في ظل بيئات عمل يشوبها عدم اليقين والتغيّر الدائم.

هذه الرحلة التاريخية لمفهوم الرشاقة تبيّن بوضوح حاجتنا المتزايدة إلى نهج إداري ديناميكي يواكب التحولات التقنية والاجتماعية والاقتصادية ويُرسّخ ثقافة الاستجابة الفعّالة والابتكار. ومن المتوقع أن يُواصل مفهوم الرشاقة، في صورته الاستراتيجية، الانتشار والنضج مستقبلًا، ليمثل أحد المداخل الأساسية التي تعين المؤسسات على تحقيق الميزة التنافسية والاستدامة.

للاطلاع على تعريف ومكونات الرشاقة الاستراتيجية – قم بمتابعة المدونة للتعرف على أحدث المقالات

الرشاقة من التصنيع إلى الإستراتيجية: نشأة المفهوم وانتشاره في عالم الأعمال

تاريخ وأسباب ظهور وانتشار مفهوم الرشاقة (Agility)

بقلم:

د. حسين الغراب

رئيس مجلس إدارة مركز كيم للتدريب والاستشارات

مستشار التطوير المؤسسي والإدارة الاستراتيجية والرشاقة الاستراتيجية والتحوّل الرقمي للشركات

ملف توضيحى عن نشأة وانتشار مصطلح الرشاقة Agility

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

You cannot copy content of this page

error: Content is protected !!